الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة "رجال ناصروا النساء في تونس خلال قرن (1856-1956)": دراسة توثّق سيرًا مشهورة وأخرى "منسية" لوجوه أضاءت دروب نضال التونسيات

نشر في  09 مارس 2026  (19:04)

في إطار الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة، احتضن مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة "كريديف"، مساء الجمعة الماضي، لقاءً فكريا علميا خُصّص لتقديم نتائج دراسة بعنوان "رجال ناصروا النساء في تونس خلال قرن "(1856-1956)".

وتندرج هذه الدراسة في إطار توثيق سير ومآثر عدد من الرجال المستنيرين، من المغمورين والمشهورين، ساندوا المرأة التونسية وساهموا في دعم قضاياها وتعزيز حقوقها في مختلف المجالات، على المستويين الوطني والجهوي إيمانا منهم بدورها كشريك فاعل في النضال الوطني ومساهمتها في بناء مجتمع متماسك قائم على العدل والمساواة.

وبيّنت المديرة العامة لمركز "كريديف"، سنية بن جميع، بالمناسبة، أن هذا اللقاء العلمي يندرج في إطار تقديم بحث علمي يتناول سير ومواقف رجال مغمورين تبنّوا مناصرة حقوق النساء منهجا، إلا أنهم ظلوا منسيين ولم يُذكروا كما يجب في صفحات التاريخ. وأوضحت أن هذا العمل البحثي اعتمد مقاربة تاريخية واجتماعية شارك فيها عدد من الجامعيين والباحثين المختصين في مجالات الإنسانيات والعلوم الاجتماعية من جامعات صفاقس وسوسة ومنوبة وتونس.

Peut être une image de ‎texte qui dit ’‎الجمهورية النونسية وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السّن مركز البحوث والذّراسات والتّوثيق والإعلام حول المرأة‎’‎

وخلال هذا اللقاء العلمي، تم تقديم نماذج من سير شخصيات مغمورة ومشهورة من بينها حسن بن هندة، محمد الصالح جراد، الشيخ سالم بن حميدة، وحسن حسني عبد الوهاب. وفي هذا السياق، أوضح المنسق العلمي للدراسة وأستاذ التاريخ المعاصر والأنثروبولوجيا التاريخية بجامعة صفاقس عبد الواحد المكني أن اختيار هذه الشخصيات استند إلى مواقف موثقة عُرفت بمناصرتها للمرأة التونسية وقضاياها، سواء من خلال المصادر المكتوبة أو التسجيلات السمعية البصرية أو الروايات الشفوية المتوارثة، بعيدا عن إسناد بطولات غير مثبتة أو إغفال أدوار من كان لهم إسهام فعلي في هذا المجال.

Peut être une image de texte

من رسالة ابن أبي الضياف إلى مجلة الأحوال الشخصية… قرن من التحولات

وأشار المكني إلى أن تقديم هذه النماذج الأربعة هو بمثابة "دفعة أولى على الحساب " في انتظار صدور الدراسة كاملة ضمن فعاليات الدورة المقبلة لمعرض تونس الدولي للكتاب، حيث ستتضمن قائمة تضم 67  شخصية من مختلف ولايات الجمهورية. واعتبر أن هذا العمل يمثل لبنة أولى في مشروع بحثي سيتواصل مستقبلا لتسليط الضوء على المبادرات الرجالية والنسائية على المستوى الجهوي، بما يسهم في توثيق جانب مهم من الذاكرة الوطنية.

وأضاف أن اختيار الفترة الزمنية الممتدة بين 1856  و1956 يستند إلى حدثين تاريخيين بارزين: الأول يتمثل في الرسالة الشهيرة التي وجّهها المؤرخ أحمد بن أبي الضياف في 13 فيفري 1856 ردا على قنصل فرنسا بتونس آنذاك ليون روش، والثاني صدور مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت 1956، التي اعتُبرت تتويجا عمليا لمسار طويل من النضال من أجل تحرير المرأة.

وفي إطار مواكبة موقع "الجمهورية" لهذا اللقاء، نسلّط الضوء على أبرز ما ورد في سير بعض الشخصيات التي تم تقديمها خلال هذا الحدث.

شخصيات مغمورة صنعت الفرق في دعم تعليم المرأة وتأريخ نضالها

البداية كانت مع تسليط الضوء على سيرتي شخصيتين من المستنيرين المغمورين اللذين ساهما في مناصرة المرأة التونسية، وهما حسن بن هندة ومحمد الصالح جراد.

حسن بن هندة (1891-1961) ... وجيه جندوبة الذي راهن على تعليم الفتيات

وفي تقديمها لسيرة حسن بن هندة، أكدت الأستاذة فتحية بلحاج أن هذه الشخصية لعبت دورًا مهمًا في دعم تعليم المرأة في جهة جندوبة. فقد وُلد حسن بن هندة بمدينة جندوبة سنة 1891 في عائلة مالكة للأراضي والعقارات. وتمكّن فيما بعد من استرجاع أملاك عائلته وتوسيعها عبر نشاطه في مجال التجارة.

وكان والده قد اقتنى في وقت سابق عقارات فلاحية واسعة على امتداد وادي مجردة، قبل أن يفرّط فيها لاحقًا. غير أن حسن بن هندة استطاع، منذ سن مبكرة، استرجاع تلك الأملاك وإضافة ممتلكات أخرى إليها، من بينها هنشير بلاريجيا، لتتجاوز المساحة الإجمالية للأراضي التي امتلكها، وفق مصادر موثقة، 500 هكتار. وقد بدأ نشاطه التجاري منذ سن السادسة عشرة، وتمكن خلال فترة وجيزة من إعادة تجميع الثروة العائلية وتوسيعها.

وبحلول ثلاثينات القرن الماضي، أصبح من أبرز المالكين العقاريين في جهة جندوبة، وعُرف بذكائه الاجتماعي وبحضوره اللافت في الحياة العامة بالمنطقة.

كما أشارت الأستاذة بلحاج إلى دوره الاجتماعي والخيري، إذ ترأس الجمعية الخيرية الإسلامية بجندوبة وساهم في عدد من المبادرات لفائدة الأهالي، وكان حريصًا على خدمة الصالح العام.

أما في ما يتعلق بدعمه لتعليم المرأة، فقد كان من أبرز مساهماته مشاركته في تأسيس مدرسة "البنت المسلمة"، حيث تبرع بقطعة أرض ومبلغ مالي لبناء مدرسة قرآنية عصرية. كما شارك مع عدد من الشخصيات المحلية في تأسيس أول مدرسة لتعليم الفتيات بجندوبة، انطلاقًا من إيمانه العميق بأهمية التعليم في تطوير المجتمع.

وقد أسهمت هذه المبادرات في ترسيخ فكرة تعليم البنات في الجهة، كما عكست وعيه بالتحولات الاجتماعية والوطنية التي كانت تعيشها البلاد آنذاك.

Peut être une image de texte

كما تميزت علاقته بالأهالي بروح التضامن والعمل الأهلي، إذ تبرع لبلدية جندوبة بقطعة أرض قريبة من مقر البلدية تحولت لاحقا إلى حديقة عمومية، كما تبرع بقطعة أرض أخرى لطبيب قصد فتح عيادة لتقديم العلاج لأهالي المنطقة.

وكان حسن بن هندة أيضا من بين المؤسسين ورئيس اللجنة المشرفة على مدرسة البنت المسلمة بجندوبة سنة 1951، بعد أن كانت نواتها الأولى قد انطلقت سنة 1949. كما تبرع سنة 1954 بقطعة أرض إضافية لإقامة سور يحيط بالمدرسة.

وتُبرز هذه التجربة، بحسب الأستاذة بلحاج، وعي حسن بن هندة بالتحولات التي شهدها المجتمع التونسي في تلك المرحلة، وإدراكه أن تعليم المرأة يمثل أحد أهم أسلحة التقدم الاجتماعي، وهو ما جعله من بين الداعمين البارزين لقضية تعليم الفتيات في جندوبة.

محمد الصالح جراد (1895-1966)... صحفي ومناضل جعل المرأة قضية فكرية

وخلال مداخلته، أوضح الأستاذ فوزي السباعي أن محمد الصالح بن محمد الصغير جراد كان متطوعًا زيتونيًا وصحفيًا أصيل بلدة المطوية من ولاية قابس. وقد نشط في صفوف الحزب الدستوري الجديد منذ تأسيسه، وانتُخب عضوًا بالمجلس المحلي سنة 1937، كما تعرض للاعتقال في معتقل البوف سنة 1935 وللإبعاد سنتي 1935 و1938، قبل أن ينسلخ عن الحزب سنة 1949.

Peut être une image de texte

وقد هاجر إلى فرنسا إثر تعرضه للاعتقال والإبعاد، ثم عاد إلى تونس سنة 1943 بعد فترة من التخفي. وبعد ذلك هاجر إلى المشرق بنية التطوع في الحرب العربية في فلسطين، قبل أن يستقر لفترة بالقاهرة، حيث طُرح اسمه لتولي منصب سياسي بارز، غير أن ظروفًا سياسية في العراق حالت دون إنشاء ذلك المنصب، ليعود لاحقا إلى تونس.

ورغم أنه كان مبتور اليد، فإن ذلك لم يمنعه من خوض تجربة نضالية بارزة، إلى جانب نشاطه الصحفي الذي عُرف به ومناصرته للمرأة.

وأشار السباعي إلى أن جراد ألّف عددا من الكتب، من بينها كتاب "تونس في جهادها أو مذكرات مبعد سياسي" الذي نشره سنة 1936 عقب عودته من معتقل البوف، وكان يحمل توطئة للطاهر صفر وكان يعتبره أحد أبرز السياسيين وقدوته الأولى في العمل الوطني..

ولم تغب المرأة عن كتاباته، إذ أشار في هذا العمل إلى دور شقيقته، زوجة محمد الأصفر جراد، أحد أبرز ممولي الحزب الدستوري الجديد، في دعمه خلال فترة اعتقاله وتشجيعه على مواصلة نضاله السياسي.

وفي سنة 1950 أسس جريدة "العواصف" متأثرا بكتاب "العواصف" للأديب جبران خليل جبران، غير أن هذه الجريدة لم تصدر سوى في تسعة أعداد فقط بسبب الصعوبات المالية، إذ كان يمولها من نفقته الخاصة.

وقد خصص في هذه الجريدة ركنا قارًا للمرأة بعنوان "امرأتنا"، طرح من خلاله جملة من المبادرات والمقترحات، كان يوجهها بالأخص إلى المناضلة بشيرة بن مراد رائدة الحركة النسائية في تونس التي كان يكنّ لها تقديرا كبيرا وهو أول من ألمح الى وجود نية من الزعيم الحبيب بورقيبة لإبعادها من قيادة الحركة النسائية. 

وقد كان يصفها بـ"صاحبة العصمة وزعيمة النهضة النسائية" خاصة وأنها قامت بتأسيس أوّل جمعية نسائية تونسية سنة 1936 تحت اسم "الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي".

ومن بين المقترحات التي دعا إليها إنشاء هيئة نسائية تحت رئاستها، تكون شبيهة بجمعية "مقاومة الأمية ونشر التعليم بين العروش"، وتهدف إلى تأسيس أكبر عدد ممكن من المدارس في الأرياف التونسية. كما اقترح تنظيم "عيد للبنت" سنويا، وإنشاء "دار اليتيمة" لرعاية الفتيات اليتيمات، إضافة إلى مشروع "دار المرأة" كفضاء متكامل يضم مبيتا وقاعة محاضرات ويحتضن مختلف الأنشطة النسائية.

ومن أبرز مقالاته أيضا مقال بعنوان "المرأة التونسية في ميدان الكفاح" نشر في جريدة "الرقيب" في عددها 34 الصادر بتاريخ 24 ماي 1949، حيث تناول فيه دور المرأة في الحركة الوطنية، خاصة منذ أحداث سنة 1938.

وقد خصص جزءً مهما من المقال للحديث عن المناضلة خديجة جراد، زوجة شقيقه بلحسين بن محمد جراد، مشيدا بدورها في دعم العمل الوطني، رغم فقدانها لابنيها خلال الحرب العالمية الثانية، إذ ساهمت في إيواء القادة الدستوريين خلال مرحلة خروج القوات الألمانية وعودة الحلفاء إلى تونس.

وجاء في مقاله أن "للمرأة التونسية مواقف عظيمة الشأن في تاريخ الحركة الوطنية بما أظهرته من الصلابة وقوة العزيمة والثبات على المبدأ، وقد عرضت صدرها لرصاص الاستعمار الفرنسي، وخاصة خلال أحداث 9 أفريل 1938 التي سجلت بدمها الطاهر أولى صفحات سجل الاستقلال".

كما تطرقت المداخلة إلى الدور النضالي لعدد من نساء المطوية وامتدادها الحضري، حي ترنجة، وهي منطقة عُرفت بمساهمة رجالها في العمل السياسي والنقابي والحركة المسلحة، ومن بينهم علي جراد وبلحسين جراد وعبد الله جراد وبلقاسم القناوي، إلى جانب مشاركة عدد من نسائها في الكفاح الوطني، مثل أم السعد يحيى وخديجة رابح وشريفة الفياش.

ورغم نشأته في بيئة قروية وتعليمه الزيتوني غير المكتمل وظروفه الاجتماعية المحدودة، فقد ظل محمد الصالح جراد مناصرا لقضايا المرأة بأشكال مختلفة. وحتى بعد توقف جريدة "العواصف"، واصل نشاطه الصحفي من خلال منبر حر خصصته له جريدة "الأسبوع" حيث نشر عشرات المقالات السياسية التي حملت أفكارا قريبة من توجهات الزعيم صالح بن يوسف، وكان يؤكد فيها أن بشيرة بن مراد تمثل الزعيمة الفعلية للحركة النسائية التونسية.

وختم الأستاذ السباعي مداخلته بالتأكيد على أن بلدة المطوية وامتدادها الحضري ترنجة، رغم صغر حجمها، قدمت للحركة الوطنية عددًا من المناضلين والنقابيين الذين نشطوا في الحزب الدستوري والحزب الشيوعي والحركة النقابية، كما عرفت بمشاركة نسائها في النضال الوطني، ومن بينهن أم السعد يحيى وشريفة الفياش، إضافة إلى ما ذكره محمد الصالح جراد عن المناضلة خديجة جراد وشقيقته التي لم يذكر اسمها، زوجة محمد الأصفر جراد.

الشخصيات المشهورة... شخصيات فكرية بارزة في تاريخ مناصرة المرأة

وإذا كانت بعض هذه الأسماء قد بقيت في الظل رغم إسهامها في مناصرة المرأة، فإن تاريخ الإصلاح في تونس عرف أيضًا شخصيات مشهورة بارزة تبنّت هذه القضية ودافعت عنها، من بينها الشيخ سالم بن حميدة وحسن حسني عبد الوهاب، وقد تولّى تقديم سيرتيهما الأستاذ كمال جرفال والأستاذ عبد الواحد المكنّي.

الشيخ سالم بن حميدة (1882-1961)... "فيلسوف الساحل" ومدافع مبكر عن تعليم المرأة

أوضح الأستاذ كمال جرفال في تقديمه لنبذة من سيرة الشيخ سالم بن حميدة أنّه كان يلقّب بـ "فيلسوف الساحل"، وهو كاتب وشاعر وخطيب يُعد من أبرز رواد الإصلاح الاجتماعي في تونس خلال النصف الأول من القرن العشرين.

وُلد سالم بن حميدة سنة 1882 ببلدة أكودة بالساحل التونسي، حيث حفظ القرآن الكريم وتابع تعليمه الابتدائي قبل أن ينتقل إلى العاصمة لمواصلة دراسته بجامع الزيتونة، متحصلا سنة 1905 على شهادة تخوّل له التدريس. ثم عاد إلى الزيتونة لاستكمال دراسته وتحصل على شهادة التطويع، وكان في الوقت ذاته يتابع دروس البشير صفر بالجمعية الخلدونية.

Peut être une image de texte

نشط بن حميدة في حركة الشباب التونسي وكتب في عدد من الصحف من بينها "التونسي" و"مرشد الأمة" و"المشير". ومن أبرز مؤلفاته ديوان شعر وكتاب "الزهريات".

وفيما يتعلق بمناصرته لقضايا المرأة، بيّن الأستاذ جرفال أنّ الشيخ سالم بن حميدة تناول في كتابه "الزهريات"، الذي أتمّ تدوينه في جانفي 1932، مسألة تعليم المرأة بأسلوب يجمع بين النثر والشعر، وذلك من خلال سلسلة من الأحاديث والمحاورات مع فتاة أطلق عليها اسم "زهرة درسي"، عبّر فيها عن تأملاته وخاطره حول تعليم الفتاة وتربيتها ومكانتها في المجتمع ودورها في الحياة.

وكان الهدف من هذا العمل، كما كتب بن حميدة نفسه، أن يجعل الحقيقة في قالب خيالي أو الخيال في صورة حقيقة، حيث قال: "فكان إيماني بذلك زهرة درسي تحت عنوان الزهريات في قالب أردت منه جعل الحقيقة خيالاً أو الخيال حقيقة."

وقد عبّر بن حميدة في هذا العمل عن قناعة راسخة بمكانة المرأة في المجتمع، إذ اعتبر أن "المرأة أم الدنيا، وملاك الصلاح، وروح عزة الشعوب"، وأن بناء المجتمع الفاضل لا يمكن أن يتحقق إلا بدور المرأة ومساهمتها الفاعلة.

كما وصف المرأة بأنها "روح الحياة، إن سعدت الحياة بسعادتها، وإن وئدت أو تردّت ترك لنا وأدها أو ترديها شقاءً نرثه ولا يورثنا غير الممات".

ومن تقديره الكبير لدور المرأة، أطلق عليها نعوتا عديدة، فاعتبرها النور والنار، بل شبّهها بالكهرباء التي يصعب إدراك حقيقتها بالكامل.

كما شدّد بن حميدة على أن الإسلام منح المرأة مكانة كبيرة، وانتقد بشدة أولئك الذين ينظرون إلى المرأة باعتبارها "عورة"، مؤكدًا أنها ليست كذلك، بل هي "ملاك هادئ خلقه الله من نوره الجميل لينير ديباجي الرجال متى احلولكت نفوسهم الفظة".

وعلى خلاف عدد من شيوخ عصره المتزمتين، دافع الشيخ بن حميدة عن مكانة المرأة في الإسلام، معتبرا أن الدين الإسلامي أنصف المرأة في العديد من الأحكام، إذ أوجب على الزوج إعالتها وأعفاها من كثير التكاليف العائلية، حتى إرضاع أبنائها، كما أقر حقها في التعلم.

واعتبر أن الطلاق التدريجي حرّر المرأة من أسر كل عقد أورثها حياة زوجية جلبت لها الشقاء.

ولم يقتصر دفاعه عن المرأة على الجانب الفكري، بل جسّد هذه القناعات عمليا في حياته الشخصية، إذ دعا إلى تحرير المرأة وتعليمها في رسائله ومقالاته ومحاضراته وأشعاره.

في هذا الإطار نشرت جريدة "مرشد الأمة" بتاريخ 16 جوان 1911 قصيدة ألقاها في حفل زفاف صديقه البشير الفورتي صاحب جريدة "التقدم"، دعا فيها إلى تعليم الفتيات ومنح حرية الاختيار للزوجين، والحد من تعدد الزوجات، ووضع ضوابط للطلاق، والاعتدال في الصداق، وتجنب الزواج بدافع الطمع في الثراء.

ويؤكد الأستاذ كمال جرفال في مداخلته بأنّ سالم بن حميدة كان من أوائل الداعين عمليا إلى تعليم الفتيات وإخراج المرأة من الإطار الضيق الذي حُصرت فيه، حيث أرسل بناته الست في ثلاثينات القرن الماضي إلى المدارس والمعاهد، فواصلن تعليمهن حتى أصبحن من أوائل التونسيات المتحصلات على شهادة الباكالوريا والشهادات الجامعية.

ومن بينهن آسيا بن حميدة التي عملت أستاذة للغة العربية بمعهد كارنو بالعاصمة، كما درّست الموسيقى وأسهمت في بعث مهرجان موسيقى المألوف بتستور، وهي زوجة الوزير الأول الأسبق الهادي نويرة.

كما كان سالم بن حميدة من أبرز أنصار تلميذه الطاهر الحداد، وقد ساند أفكاره حتى قبل صدور كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، بل ترأس حفل تكريمه بكازينو البلفيدير يوم 17 أكتوبر 1930 بعد انسحاب الصادق التلاتلي الذي كان مقررا أن يترأس الحفل.

غير أن دعوته إلى تعليم المرأة وتطبيقه العملي لهذه الأفكار عرّضاه إلى حملات من الأذى والمقاطعة والاتهامات، حيث اتُّهم في عقيدته ورُمي بالزندقة والكفر بسبب خروجه عن التقاليد المحافظة السائدة آنذاك.

حسن حسني عبد الوهاب (1884-1968) … العلامة الموسوعي الذي كتب تاريخ النساء التونسيات

وتولّى الأستاذ عبد الواحد المكنّى تقديم سيرة حسن حسني عبد الوهاب، مؤكدا أنه يُعد من أبرز الشخصيات الفكرية والثقافية في تونس الحديثة، وقد عُرف بلقب "العلامة الموسوعي" لما تميز به من سعة اطلاع وثقافة واسعة جعلت منه مثقفا حصيفا واسع الإطلاع، إلى جانب امتلاكه قلمًا سيالاً باللغتين العربية والفرنسية.

ويعتبر الأستاذ المكنّى انّ حسن حسني عبد الوهاب هو شخصية مركبة واستثنائية اخترقت تاريخ تونس طيلة أكثر من سبعة قرون، وكان ينحدر من عائلة مخزنية. وقد برز مبكرا في العمل الإداري، حيث تولى سنة 1910 رئاسة غابة الزياتين بالشمال التونسي، قبل أن يرتقي في سلم الإدارة ويتولى خطة القيادة بداية من سنة 1925، ثمّ اشتغل في جبنيانة ومن بعدها المهدية ونابل.

Peut être une image de ‎texte qui dit ’‎مشهورون منصرون منصرون_مشهورون حسن حسني عيد الوهاب 1968-1884 (3) مرمن-أافاری اوي تشسراوي حسقي عيد الوساب السيد وهني الشسر الشيخ زین العابدين 2 الأستاذ حسن -1 السيد حسلن التريخي 4 السيد هامل التونسي (1956 مالتاهمر ناجيده النساء JIG قرن تونس 1856)‎’‎

وبعد فترة من التواري عن الساحة، عاد سنة 1943 إلى العمل الحكومي حيث عُيّن وزيرا للقلم في حكومة صلاح الدين البكوش. كما عاد لاحقا إلى الواجهة الثقافية والعلمية عندما وقع الاستنجاد به لتولي رئاسة المعهد القومي للآثار والفنون.

وشدّد الأستاذ المكنّى أنّ حسن حسني عبد الوهاب كان نشاطه الفكري والثقافي مرتبطا بشكل وثيق بجمعية الخلدونية، حيث تولى تدريس التاريخ فيها بين سنتي 1905 و1924، وكان من المثقفين المنفتحين الذين واكبوا التحولات الفكرية والاجتماعية في تونس آنذاك.

وعُرف عبد الوهاب بدعمه لأفكار التقدم ومواكبة روح العصر، كما اهتم بقضية المرأة والنهوض بمكانتها، وهو ما تجلى خاصة من خلال مواقفه العملية داخل محيطه العائلي كزوج وأب.

كما حاول، من خلال موقعه الإداري ضمن الوظيفة المخزنية، تقديم مثال عملي يشجع الأعيان والمحافظين على تعليم بناتهم، وهو ما عمل عليه خلال توليه خطة القيادة في كل من جبنيانة والمهدية ونابل بين سنتي 1925 و1938.

أما على المستوى الفكري، يؤكد منسّق هذه الدراسة خلال تقديمه لنبذة من سيرة عبد الوهاب أنّ هذه الشخصية ألّفت عددا من الأعمال القيّمة بينها كتاب "المنتخبات المدرسية للناشئة التونسية" سنة 1918، كما دوّن سنة 1927 كتابا مدرسيا بعنوان "خلاصة تاريخ تونس" تناول فيه تاريخ البلاد عبر العصور وفق منهج تاريخي وضعي.

وبخصوص اهتمامه بقضية المرأة، فقد تأثر في بداياته بأفكار عدد من رواد الإصلاح مثل البشير صفر وعبد الجليل الزاوش ومحمد الأصرم ومحمد الجعايبي في إطار نشاطهم داخل جمعية الخلدونية.

كما تأثر بمؤلف الكاتبة اللبنانية زينب فواز الصادر سنة 1891 بالقاهرة بعنوان "الدر المنثور في طبقات ربات الخدور"، وهو ما دفع عبد الرحمان الكعاك إلى دعوته لتأليف عمل مماثل حول تاريخ النساء التونسيات الشهيرات وتراجم "العقائل والنابغات والأصائل". وقد استجاب لهذه الدعوة وشرع في إعداد كتاب "شهيرات التونسيات" الذي يبدو أنه بدأ العمل عليه سنة 1917، رغم أن طبعته الأولى فُقدت. ويذكر في سيرته أن النشرة الأولى صدرت سنة 1934 والثانية سنة 1966.

ويضيف الأستاذ المكنّى أنّ حسن حسني عبد الوهاب أهدى النسخة الأولى من كتابه المذكور إلى ابنته نائلة، في خطوة اعتُبرت رسالة واضحة لدعم أفكار تحرير المرأة من خلال النبش عن تاريخ الشهيرات من النساء في الماضي التليد للبلاد في مواجهة الحملة المتواصلة على أفكار الحداد من قبل زمرة المحافظين.

وكان سنة 1934 يشتغل منصب "قايد" بالمهدية وكان لا يريد الظهور في مظهر المتحرر بالكامل ولا في مظهر المحافظ المتزمت، حيث كان يقول في هذا السياق: "لم يكن مقصدنا إبداء رأينا بالطريقة المثلى التي ينبغي ابداؤها في تربية المرأة مع احتياجنا الى ذلك".

Peut être une image de ‎texte qui dit ’‎الجمهورة النونسية وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار وكبارالسن السن كريديف عرض نتائج دراسة رجال ناصروا النساء خلال قرن في تونس 1956-1856 الأستاذ عبد الواحد المكني، المنستن العلمي للتَر اسة للتراسة أستاذ التاريخ المعاصر والأنشر والأنثروبولوجيا التاريخيَة بكلية الآداب والعلوم الانسانيَة بصفاق، رئيس جامعة صفاقس سابقا. من بین مؤلفاته

واختار حسن حسني عبد الوهاب تسليط الضوء على تاريخ "المصونات عقيلات هذا الوطن"، من بينهن الكاهنة وأم ملال الصنهاجية والجازية الهلالية، إضافة إلى عدد من النساء الشهيرات في القيروان والمهدية خلال عهدي الأغالبة والفاطميين.

كما تميز عمله بجرأة لافتة تمثلت في عدم اقتصاره على النساء الشهيرات في العصور الإسلامية، بل توسع في تناول شخصيات نسائية مختلفة، مع إبراز الجوانب الإنسانية والعاطفية والجمالية في شخصية المرأة التونسية.

إشادة وزيرة المرأة بأهمية الدراسة

من جانبها، أكدت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري أن هذه الدراسة تسلط الضوء على إسهامات عدد من الرجال الذين ساهموا في دعم قضايا المرأة التونسية وفي تعزيز حقوقها عبر مختلف المراحل التاريخية، معتبرة أن تثمين هذه المسارات يندرج ضمن ترسيخ الرؤية الوطنية القائمة على مبادئ العدالة والمساواة في المواطنة والحقوق والواجبات.

Peut être une image de ‎estrade et ‎texte qui dit ’‎الجمهورية نة النونسيّة وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وکبار الشن مركز البحوث والدراسات والتّوئيق والإعلام حول المرأة‎’‎‎

وأضافت أن الوزارة تسعى إلى تجسيد هذه الرؤية عبر برامجها ومبادراتها المختلفة، من خلال مقاربة وطنية شاملة تقوم على تعزيز التماسك الاجتماعي ونبذ العنف والتمييز بين الجنسين وبين الفئات والجهات.

كما شددت على أن المكاسب التشريعية التي حققتها المرأة التونسية هي نتيجة تراكم تاريخي شارك فيه رجال دافعوا عن تعليم المرأة وحقوقها، إلى جانب نضالات النساء أنفسهن، وهو ما جعل تونس من الدول الرائدة في مأسسة هذه الحقوق.

وأشارت إلى أن هذه الريادة تجلت في تعيين رئيسة حكومة لأول مرة سنة 2021 ثم مرة ثانية سنة 2025، إضافة إلى تصدر تونس المرتبة الثانية عالميا في نسبة حضور النساء في الاختصاصات العلمية والتقنية.

معرض فني مواز

وقد جمع هذا اللقاء العلمي بين تقديم هذه الدراسة وتنظيم معرض تشكيلي جماعي بعنوان "نساء خارج الإطار" بالشراكة مع الجمعية التونسية لعصاميي الفن التشكيلي، على أن يتواصل المعرض إلى غاية 26 مارس الجاري بمقر مركز "كريديف".

منــارة تليــجـانـي